عندما
يسرد جورج طرابيشي حرب النواصب والروافض

وسام سعادة
عندما يغلي حب الهرطقة في دم جورج طرابيشي، تراه يستعير لغة
المتكلمّين الأشاعرة، فيظهر أن «التدخل الأميركي لم يفعل أكثر من
أن يقدّم المناسبة لانفجار الحرب الطائفية، لكنه لم يكن هو عاملها
على صعيد السببية».
يتابع
جورج طرابيشي في «هرطقات 2» (دار الساقي، 2008) ما بيّنه في «هرطقات
1»، وما كان قد أسّس له بشكل منهجي ومثابر في مختلف مجلدات «نقد
نقد العقل العربي»، من تفتيت لآليات الدفاع المكابرة والممانعة
والساذجة، المتمثلة بتعليق أمراض الذات على مشجب الغير، والتي تؤول
في نهاية كل أمر الى نظرية المؤامرة. يهرطق جورج طرابيشي ويجزم بأن
دور التدخل الأميركي في العراق لم يتعدّ «كشف الغطاء عن مرجل
المكبوت» الذي لا «يفتأ يغلي منذ أكثر من ألف سنة».
دم
جورج طرابيشي يغلي بحب الهرطقة، كما جاء في مستهل تقديمه للكتاب.
أما دم هذه المنطقة فهو «يغلي منذ أكثر من ألف سنة» لأنه دمٌ لا
ينفك يسفح ويسيل استسقاء للفتن المذهبية الداخلية التي يُصار بعد
ذلك الى كبتها والسكوت عنها، ثم تدفع ضريبة هذا التلفيق وهذه
المكابرة مع تفجّر المكبوت الذي طال كبته عند أول «مناسبة».
يستحضر جورج طرابيشي تاريخنا المغيّب، ويستعين بحوليات ابن الأثير
وغيرها، ليسفّه أدبيات «المؤامرة الخارجية»، ويظهر أن الفتن
الطائفية الداخلية لم تكن «من صنع الأجنبي ولا من توظيفه، بل هي
التي توظف العامل الخارجي توظيفاً فئوياً على مذبح ما نسميه اليوم
بالمصلحة الوطنية أو القومية» (ص 25). على هذا الأساس يفتح كتاب
الفتنة على مصراعيه: الحرب على الجبهة السنية، والحرب على الجبهة
الشيعية. يسرد علينا سنة بسنة، حرباً دينية مذهبية استمرّت
لثلاثمئة سنة من دون انقطاع يذكر، ومن دون تجاوز مفصلي. إنه «تاريخ
مديد لا يقاس بعشرات السنوات كما في مثال الحرب الكاثوليكية ـ
البروتستانتية التي تمخضت عن تكريس العلمانية في الغرب» (ص 11).
فالفتنة الكبرى الحقّة لم تكن تلك التي استعرت بين فريقين من صحابة
الجيل الأول، ولا تلك التي استكملت مع حلول الملك الأموي، وإنما
تلك التي تواصلت جيلاً في إثر جيل، مع الفاطميين والبويهيين
والسلاجقة، ثم تحولت إلى نظام إقليمي مع قيام الثنائية المذهبية
العثمانية ـ الصفوية. إنها حرب النواصب والروافض، حرب التكفير
والتنجيس، حرب يسقط فيها كل طرف الصفة الآدمية عن الطرف الآخر، فلا
يتردّد ابن القيم الجوزية في نسب «الرافضة» الى «خنزيرية القلب»،
ولا يتردّد السيستاني في الحكم بأن «أسئار (فضلات) الحيوان كلها
طاهرة، عدا الكلب والخنزير والكافر والناصب».
ما
يريد جورج طرابيشي اظهاره هو أنه لا مخرج من حرب النواصب على
الروافض، وحرب الروافض على النواصب، إلا باشتقاق سبيل للعلمنة، من
حيث هي علمنة للمجتمع وعلمنة للدين. «إن علمنة الدين هي وحدها التي
تتيح للاهوت الإسلامي، بشقيه السني والشيعي، أن يتحّرر من انئساره
لمقولتي الرفض والنصب، ولازمتيهما التكفير والتنجيس» (ص 94). ليست
العلمانية اذاً إشكالية مصطنعة أو مستوردة على ما يقوله برهان
غليون ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي، لأنها ليست في هذا الشرق
إشكالية إسلامية ـ مسيحية، إنما إشكالية إسلامية ـ إسلامية صميمة.
والحقّ أن طرابيشي نجح بذكاء شديد في إسناد هذا الموقف بالأدلة
والحجج اللازمة، إنما يبقى السؤال إذا ما كانت العلمانية تقتضي
إذكاء البعد المسيحي ـ الأنسني في الإسلام، إذا كانت الإشكالية
العلمانية تطرح نفسها على المسلمين كإشكالية إسلامية داخلية، بدليل
الفتنة المتجدّدة أبداً ما دام أن مخرجاً علمانياً لم ينجح في
تجاوزها، فإن قيام العلمانية الإسلامية نفسه ألا يبقى مرهــوناً
بنقلــة نوعية للاسلام برمّتــه في الاتجــاه المسيحي؟!
في
رأينا أن من أعاب على العلمانية غربتها عن تربة الاسلام، واعتبرها
اشكالية مصطنعة، كان قد خبر من الأساس، بأنها تعني تحرير بعد مسيحي
داخل الاسلام نفسه. وفي رأينا أن نجاح طرابيشي في إظهار مشروعية
العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية إنما يتكامل، ولا يتناقض، مع
ضرورة أن تحرص العلمانية على أن تكون الى حد ما «مسحنة للاسلام»،
مع التأكيد أن لهذه المسحنة مسوّغات إسلامية، ومقدّمات إسلامية،
وآليات تخريج إسلامية. بكلمة أخرى، لا يمكن الخروج من صدام السنة
والشيعة، إلا بأن يتمسحن كل من السنّة والشيعة.
****************************
المصدر: السفير- 03.03.2008