الصفحة الرئيسية القسم الثقافي
الفرد إن وُجِد
 

  

الفرد إنْ وُجد



 

 

هل من أفراد في هذه البلاد؟ أقول نعم، وأعرف، تقريباً، وبتحفظ، أن لا.
وهل من وجود فرديّ، وهل من ثقافة علمانية، مثلاً، يأخذ بها هؤلاء الأفراد، ويعملون بموجبها في عيشهم ومكانهم وبين الناس؟ أقول نعم، وأعرف تقريباً جداً، أن لا.
 

هذا المكان، ينقصه الكثير من الأفراد، والكثير من الوجود الفرديّ، وتالياً من الثقافة العلمانية، ليحيا. وهو، بـ"الحبّ الفرديّ" يحيا. ذلك انه، بدون هذا النوع من الحبّ، يُغمى على عينيه. وقد يغلبهما نعاسٌ جامحٌ، هو نوعٌ من نعاسٍ أعمى، عصبيّ المزاج، يشبه الموت. للهول الذي فيه، فقد يلتهمهما، وقد يُغمضهما إلى الأبد.
بالوجود الفرديّ، بالحبّ الفرديّ وحده، يُعطى المكان أن يتنفس. بدونه، تمتلئ رئتاه بالماء. بالمستنقع من الماء. وقد تغصّان بالغبار. وبالثقوب. إلى أن يصاب بعطب الثقوب. ومصيره آنذاك أن يختنق. ولا نجاة.
 

لكنْ، بالوجود الفرديّ وحده، بهذا الحبّ وحده، والذي بلا قعر، ولا يقتل، يستطيع هذا المكان أن ينفد بجلده. وأن يخالف "المكتوب" القاتل المتوقَّع. وأن ينجو. حين، خصوصاً، لا نجاة.
 

شأن كلِّ حبيب. شأن كلِّ فنّ. وشأن كلِّ أهلٍ وصديق. المكان، هذا المكان، لا ينقصه إلاّ الوجود الفرديّ ليحيا. بدونه، سيتخلّع قلبه، وسيهترئ، وقد يصاب بالنسيان العاطفيّ. حتى ليقال: مات بسبب قصورٍ في القلب.
 

لكن هذا التفكّر ليس من العواطف في شيء. في كلّ حال، ليس الوقت وقتاً ملائماً لتسييل العواطف. ولا هذا المكان يحتاج إلى رثاء، ولا إلى أناشيد، ولا حتى إلى دموع. أو إلى صلاةٍ حتى. هو يحتاج فقط إلى وجودٍ فرديّ لا يقتل.
 

ثمة الكثير من جنون الجماعات "المُحبّ"، يتربص بهذا المكان. ولا يشفي من هذا الجنون الجماعاتي "المُحبّ" إلاّ الجنون المضادّ: جنون الوجود الفرديّ، وحبّه.
 

ليشفى هذا المكان من جماعاته، وجنونهم، و"حبّهم الجنونيّ"، لا بدّ من "جماعات" مضادّة لـ"الجماعات". إنهم هؤلاء الأفراد الفالتون من ربقة الجماعات. ووحده، جنون هؤلاء الأفراد، ووحده وجودهم الفرديّ، وحبّهم، يشفي.
 

ماجنٌ هو الوجود الفرديّ، وجنونيّ، ومجّانيّ، وخارجٌ على كلّ ترتيبٍ جماعاتيّ ممنهج. "مصيبته" الجوهرية أنه فرديّ، حقيقيّ، قابلٌ للتعدد، إلى ما لا نهاية، وللتراكم، وصادق. لهذا السبب لا يغني عن جوع.
 

أما وجود الجماعات فمنظَّم وعاقلٌ وواعٍ وهادف. لكنه ديكتاتوري، أحاديّ، غير قابل للتعدد، ولا للتراكم عمقاً، أفقيّ، إلغائيّ... وإنْ صادقاً.
 

ينبغي لي أن أوضح مشكلة هذا المكان على الوجه الآتي: ليس في هذا المكان ما يكفي من الماجنين الجنونيين المجّانيين الخارجين على كلّ ترتيبٍ جماعاتيّ ممنهج. للإيضاح الإضافي، أقول: ليس ثمة ما يكفي من الأفراد، ومن الوجود الفرديّ. بل أكاد أقول: ليس في هذا المكان، تقريباً، وبتحفظ، سوى "العقلاء" الجماعاتيين الذين "يعقلون" حرية الأفراد، ويستولون، موضوعياً، على المكان، وجماعاته، ويحولون دون جنون الأفراد، ووجودهم الفرديّ. هكذا، يصادرون خلاصه الفردي، بمصادرة الأفراد، ومصادرة الوجود الفرديّ. وهكذا يصادرون قدرة المكان على النفاد بجلده، وحماية هذا الجلد من الجماعات الكليانية، في غابات الوحوش الداخلية والإقليمية والدولية.
 

مريضٌ هو هذا المكان. وهو مريضُ أهله، ومريضُ النزلاء. بدونهم أيضاً هو مريض. فكيف ينجو هذا المكان؟ وبمن؟ ينجو، فقط، بالأفراد. وبالوجود الفرديّ.
 

فليس من خلاص لهذه الجماعات، لهذا المكان، لهذه المدينة، لهذه البلاد، إلاّ بالأفراد، وبوجودهم الفرديّ. خلاصُه أيضاً بالجماعات التي "تقرّر" أن "توصَم" بقيم الأفراد، ومفاهيمهم، وسلّم معاييرهم، بعد أن تخلع عن وجوهها وعقولها وأيديها أقنعة الاعتقال الجماعاتي.
 

هذا المكان معتقَل. ولا يحرّره من الاعتقال إلاّ أفراده. وليس ما يكفي من الأفراد. وليس ما يكفي من وجودهم الفرديّ، ومن جنونهم، وجنون حبّهم. فما العمل؟
 

واضحٌ مما يجري، أن ثمة حلاً واحداً من اثنين، لا ثالث لهما: إما تستمر الجماعات في إيغالها الجنوني وصولاً إلى هاوية، مقيَّدةً إلى سلاسل الجماعات والأنظمة والدول مما هبّ ودبّ. وإما تفسح "مكاناً" فردياً للمكان.
 

الحلّ الأول معروفةٌ نتائجه وما يترتب على هذه النتائج. وليس ثمة من حدود لاجمة لكارثية هذه النتائج والمترتبات، وقد اختبرتْ سُمَّها الجماعات، يوماً بيوم، ومصيراً بمصير. ولم ينجُ منها حتى الأفراد. ولا الهاربون. لأن لا نجاة لأحد، تيمّناً بـ"الحكمة": عليَّ وعلى "أعدائي" يا ربّ.
 

الحلّ الثاني يُجترَح جلجلةً جلجلةً، وشبراً شبراً، ويوماً يوماً، وفرداً فرداً، إلى أن يصير "لوثة"
تستولي على المكان وأهله، وجماعاته، ونزلائه.
 

إذاً، لا بدّ من الإنسان الفرد. لكن، ما هو الفرد؟ احتمال الجواب عند لويس فردينان سيلين. يقول: هو شخص لا أهمية جمعية له. إنه، تماماً، فرد.
 

إذاً بدون "دواء" هذا الوجود الفرديّ للفرد، وهو الحبّ الذي يحتاج اليه هذا المكان، لن يكون ثمة "علاج" لـ"مرض" الجماعات هذه، ولوجودها الهمجيّ الكليانيّ المدمِّر. ولن يكون ثمة خلاصٌ من هذا "المرض". به، وحده، أي بالوجود الفرديّ، يكون وصولٌ إلى احتمالات تحقّق الشعب، قائماً على اجتماع الأفراد.
 

ثم، لكي تكون ثقافة علمانية، لا بدّ من أفراد، ولا بدّ من وجود فرديّ. به، أي بهذا الوجود الفرديّ، يتكوّن تراكم الشعب بالذات، ويكون وصولٌ إلى المكان – الوطن، وعيشٌ فيه، وبه.
 

وآنذاك، يكون لكلّ حادثٍ حديث. تماماً، كحادث الوجود الفرديّ وحديثه... العلماني!


عقل العويط

--------------------------------------------------------

ملحق النهار الثقافي - 03.03.2008

هل ترغب في إرسال رأيك ؟ إضغط هنا

لا يوجد آراء مسجلة حتى الأن