الصفحة الرئيسية القسم الثقافي
عن غباء الرقابة
 

 

عن غباء الرقابة
 


 


الياس خوري
القدس العربي 16/11/08
 


كنت في ندوة في برشلونة حين وجه اليّ احد الحاضرين سؤالا عن سبب منع روايتي 'كأنها نائمة' في القاهرة، خلال معرض الكتاب. احترت ماذا اجيب، وشعرت بما يشبه العجز عن الكلام. فلقد عرفت الخبر من وسائل الاعلام، وحين حاول ناشري الاستفسار عن السبب، فوجئ بجواب غامض. فالكتاب لم تمنعه الهيئة المصرية العامة للكتاب، بل منعته هيئة اخرى. الكتاب ليس ممنوعا، لكنه ممنوع، والى آخره... اما حين منعت رواية 'يالو' من دخول الاردن، فكان الوضع اشدّ سوءا، لأن تبرير المنع ببعض المشاهد الجنسية مثلما قيل، لم يكن هو السبب الحقيقي، اما السبب فلا ازال الى اليوم لا اعرفه، والى آخره...

تذكرت السبب الغرائبي الذي قدمه لي رقيب جزائري عن سبب منع روايتي 'الجبل الصغير'، منذ ثلاثين عاما في بلد المليون شهيد. قال ان الرواية منعت لأنها تتضمن مشاهد جنسية. اعتقدته يمزح، لكنه اصرّ على رأيه. اعملت التفكير لكنني لم اتذكر جنسا في الرواية الاولى التي كتبت عن الحرب اللبنانية. ثم تذكرت، هناك مشهد في الرواية يصف رجلا يضاجع زوجته. 'هل تسمي هذا جنسا'؟ سألت. ارتسمت على وجه الرقيب الحصيف ابتسامة المنتصر، وقال ان الحق معه!

قلت في نفسي انه يكذب، لا بد ان اعتبارات ما، منعت الرجل من ان يقول لي السبب الحقيقي للقرار. ثم اكتشفت مع حكمة العمر والخيبة ان البحث عن السبب مستحيل، لأن الغباء ليس شيئا يمكن العثور عليه، انه حالة لا يمكن تحديدها. اقنعت نفسي بالابتعاد عن البحث عن اسباب الغباء، وقلت ان فضيلة التجزئة الوحيدة، هي ان الرقيب لا يستطيع منع الكتاب في كل العالم العربي. وهذا يسمح للكتاب بأن يجد ناشرا في مكان ما، جاعلا من الغباء الرقابي مسألة محدودة النتائج.

قناعتي كانت تحمل بالطبع كثيرا من التبسيط، لا لأن فكرة الغباء ليست صحيحة، بل لأنها لا تميّز بين الغباء والتغابي. اغلب الظن ان التغابي كان قرارا واعيا، وهو مرتبط في رأيي بالعقد النفسية التي يحملها ضباط المخابرات نحو المثقفين. ولعل حكاية اغتيال سمير قصير، حين تروى يوما ما، ستكشف الوجوه المختلفة لهذه العقدة المستعصية. احد وجوه هذه العقدة ان الرقابة على الثقافة يقوم بها ضباط الأمن. لا ادري من اقنع الضباط انهم مثقفون! حتى لو افترضنا انهم يملكون ثقافة عسكرية، فهذا لا يؤهلهم للاشراف على النتاج الثقافي. غير ان اختلاط المفاهيم في المرحلة الناصرية، والانحطاط الذي صاحب محاولة تقليدها البعثية والقذافية، انتج مسوخ مفاهيم، كعلم الجمال البعثي، على سبيل المثال، او تحول العقيد الليبي الى كاتب للقصة القصيرة، واعلان صدام حسين نفسه روائيا، والى آخره...

لكن المسألة بدأت تتخذ مسارات جديدة مع انتقال المراكز الثقافية والاعلامية العربية الى خليج النفط. فاذا كان التغابي هو ميزة الانظمة العسكرية الديكتاتورية، فان المرحلة الجديدة من الرقابة، لها اسم واحد هو التكفير والتحريم والخروج عن الدين. وهنا المصيبة الكبرى. اذ لا مجال للشكوى او الدفاع عن النفس، لأن المنع يصير مشروع اغتيال، ولأن الكاتب لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه في وجه المجتمع والسلطة معاً.

هذا التحول الذي انتجته انظمة غارقة في 'القمع القروسطوي'، تحول بعد هزيمة الحركة الوطنية، الى مزيج غريب من المعارضة والسلطة في آن معا. سلاحه الدين، واداته السلطة، ووقوده المجتمع. هذا االمزج الغرائبي، اتكأ على واقع الفقر والانهيار السياسي الذي حوّل الناس الى شحاذين، بحيث جاء القمع الاصولي كبلسم يغطي الجراح، جاعلا من المجتمع ملعبا للسلطات المتنافسة.

هذا الواقع المعقد انعكس على الثقافة في شكل غرائبي، اذ قرر الفكر الوهابي احتلال الميدان الثقافي. بدأت الحكاية بنجيب محفوظ ونصر حامد ابو زيد، وانتشرت كالنار في كل مكان. من 'وليمة لاعشاب البحر' لحيدر حيدر، الى كل شيء. فجأة بدأ ما يشبه المرض الذي اسمه محاكم التفتيش الدينية، في تكفير الكتّاب ومنع الكتب، وتوالت الفتاوى. لا ادري ماذا اصاب شيوخ الفقه، فهم لا يهتمون بالأدب، ويعتبرون الشعر معصية، ويستذكرون الاحاديث التي تشير الى موقع الشعراء في النار.

هذا الادب الذي يلاحقه الفقهاء، مجرد ظواهر هامشية مقارنة بجماهيريتهم، وتتلفزهم اليومي، فلماذا يحشرون انفسهم في لعبة القمع والمنع والتكفير.

الشاعر الاردني الشاب اسلام سمحان، كان آخر ضحايا مفرمة القمع والمنع. اذ اصدر مدعي عام عمان بتاريخ 18 تشرين الاول-اكتوبر الماضي قرارا باعتقال الشاعر والصحافي اسلام سمحان (مواليد الزرقاء (1981) في سجن الجويدة على ذمة التحقيق، وذلك بسبب صدور ديوانه الشعري 'برشاقة ظل'. اتى قرار الاعتقال على اثر قيام مفتي المملكة نوح القضاة بتكفير الشاعر. كما طالبت دار الافتاء بتوقيفه ومعاقبته، لأن الشاعر 'كافر ومعاد للدين'!

اطلق سراح الشاعر الاردني بعد اربعة ايام على اعتقاله، لكنه يمثل اليوم امام المحكمة، ويتلقى التهديدات، ويعيش ما يشبه حصارا اعلاميا.

والسؤال هو الى متى يتحكّم بالثقافة العربية هذا الظلام. بدل مناقشة النص الادبي، نجد انفسنا امام مهمة يومية هي الدفاع عن حق الادب في الوجود.

هكذا ايها السيدات والسادة يرتسم الخط البياني للانحطاط الثقافي، ويصير مزيج الغباء والتغابي هو الشبح المسيطر على وجودنا.

فالى متى؟

 

هل ترغب في إرسال رأيك ؟ إضغط هنا

لا يوجد آراء مسجلة حتى الأن