الصفحة الرئيسية القسم الثقافي
سجائر من كلمات
 

 

سجائر من كلمات


رجل يدخن الغليون لـ: هنري ماتيس
 

الياس خوري



لا شك أنني أخطأت.
في رحلتي بالطائرة من ابو ظبي الى نيويورك التي تستغرق خمس عشرة ساعة من دون توقف، قلت امضي الوقت في رفقة بول شاوول. رفقة هذا الشاعر في مقاهي بيروت، ممتعة. يمتزج فيها الجد بالهزل، حيث يفرقع الضحك، ويتلون الهواء بدخان السجائر. اخذت معي كتاب شاوول الشعري الجديد "دفتر سيجارة" (دار النهضة العربية)، كي يكون رفيقي في الرحلة الطويلة. قلت هكذا انتقم من منع التدخين في الطائرات، ومن عدوى اضطهاد السجائر والمدخنين التي انتقلت من اميركا الى جميع البلدان الاوروبية.
لكنني كنت على خطأ، فالأدب ليس تعويضا ولا تصعيدا، مثلما يظن بعض النقاد. انه دعوة مفتوحة الى الانغماس في الحياة. وهذا ما فعله هذا الكتاب الصغير، الى درجة انني احسست بأن الطائرة صارت سجنا، وبأن جميع مطارات العالم صارت غرف تعذيب، وبأنني اكاد اختنق.
بدأت في القراءة، فانفجرت الذكريات، من سيجارة "الزودياك" الرخيصة التي كانت رفيقتنا في كلية التربية، الى سيجارة "النمرو اول عريض"، التي نصحنا بتدخينها استاذنا ميشال عاصي، عندما قررنا مقاطعة البضائع الاميركية بعد حرب حزيران 1967، الى سيجارة "اللوكي" من دون فلتر، التي كانت الرفيق الاجباري مع كأس العرق في مطعم "يلدزلار" في الروشة، الى "الجيتان"، التي كانت ضرورة ماركسية زمن "اليسار الجديد"، الى سيجارة "ريم" التي دخّناها خلال التدريب العسكري في قواعد الفدائيين، الى آخره... من دون ان ننسى "الشستر فيلد" و"التطلي" بنوعيه الرفيع والعريض، و"البافرا"، بأناقتها، او "النمرو اول" رفيع بالخاتم الذهبي في اسفلها، و"اليننجي"، و"الخانم" بطرفها الأحمر، والى آخره...
اشعلت الصفحات الأولى من الكتاب ذاكرتي، ووجدتني استعيد اسماء السجائر وانواعها، كمن يستعيد اسماء اصدقائه القدامى، ورأيت عمري مكتوبا على دخان كل السجائر، التي تلاشت في الزمن.
بول شاوول استقر على "الغولواز"، مثلما كتب، وانا استقررت على "المارلبورو". دوافع شاوول كانت جمالية او ذوقية، اما دوافعي فكانت عملية. فالدكان الذي كان يبيع سجائر "الفلت"، في الطريق من المنزل الى المدرسة، لم يكن يبيع سوى "المارلبورو"، كل ثلاث سجائر بربع ليرة، ولم يكن امامي اي خيار آخر.
كتب شاوول عن السيجارة الأولى وعن السعال الذي رافقها، لكنه لم يكتب عن الدوار الذي كان يصيبنا حين نهرب من المدرسة في فرصة الساعة العاشرة، وندخن اولى سجائر "الفلت" التي اشتريناها. لم استعد هذا الدوار الا هنا في نيويورك. لعل الفضيلة الوحيدة للقمع الاخلاقي الذي يتعرض له المدخنون في اميركا، هي الاضطرار الى التخفيف من التدخين. فأنت لا تستطيع ان تدخن في الجامعة، حيث تعمل، او في المقهى، او حتى في البار، لذا تجد نفسك لا تدخن الا القليل من السجائر في اليوم. ومع كل سيجارة يأتي الدوار، وتأتي متعة التبغ التي جعلنا التدخين المتواصل ننساها.
في هذه المجموعة من النصوص الشعرية، مزيج من الدهشة والمتعة، ورحلة يمتزج فيها الشعر بالسرد، والسيرة الذاتية بالدخان. من المقهى الى الأم والأب الى الدمعة الى احوال السجائر الى الاصدقاء الى آخره...
"السيجارة اهم مؤرخ في الأزمنة الحديثة"، لكنها لا تؤرخ لنفسها، بل تؤرخ لأحوال الزمن، انها "شمس تشرق بين الاصابع"، وهي "اقرب الى عينيه من الدمعة، واقرب الى اصابعه من الهواء". دخانها يشبه "غيمة تغيّر مسارها"، وهي تشبه المطر. "لا يعرف لماذا التفت الى صديقه وقال له فجأة ان السيجارة تشبه المطر. استغرب صديقه ان يسمعه يقول ان السيجارة تشبه المطر... وبعد كل هذه السنوات المديدة لم يستغرب ما قاله آنئذٍ لصديقه ان السيجارة تشبه المطر". لكن الشاعر سوف يكتشف بعد ذلك انه لا يستطيع تشبيه السيجارة بالمرأة او الوردة او الصداقة او الموت، "عندها لم يكن له سوى ان يشبّه السيجارة بالسيجارة".
عندما يصير التشبيه مستحيلا لا يبقى امام الشاعر سوى ان يحلم "بأنه يدخّن شجرة بأوراقها وجذعها وزهرها، او يحلم بأن شجرة طويلة تدخّن سيجارة". ينتهي به المطاف الى حلم يتمناه: "لكن اجمل ما احب ان يحلم به ان يدخّن سيجارة اطول من كل قصائده، او ان يصير سيجارة تدخنه من اول مجّة في فمه الى اخر هبّة يحملها الهواء ولا يعيدها".
لم يسبق لأحد ان مجّد السيجارة لحظة افولها الكوني، مثلما فعل شاوول. تقرأ فيصعد الدخان من الكلمات الى عينيك. تأخذك رائحة التبغ الى طفولتك، وتقذف بك الى موتك. كأن كل شيء يصير دخانا، وتعتصرنا الرغبة الوحشية. انها رغبة الهباء قد نقول، لكنها ايضا، رغبة السحابة التي لا تمطر الا سرابا.
لا ادري لماذا لم يتكلم شاوول عن تدخين اغصان شجر الليف او عيدان الكرمة. علاقاتنا الاولى بالهباء صنعها دخان بلا تبغ كان يملأ وهم طفولتنا، قبل ان نتعلم كيف نبتلع دخان السجائر، ونصير أسراه الى الأبد.
يقال ان كلمة سيجارة، تعود في اصولها الى الاسبانية التي اخذتها عن حضارة المايا في اميركا الجنوبية. ابيد الانسان الأحمر ولم يبق من حضاراته سوى بضع كلمات، من بينها كلمتا سيكار وتوباكو. كلمتان تكفيان لكي ترسما افقا من الدخان على هباء التجربة الانسانية، وعلى تاريخ مصاب بالعماء ولا يعرف معنى الرحمة.
قرأت الكتاب وانا اشرب كأسا من النبيذ الأبيض، ورأيت العالم يتلوّن بأصفر النبيذ واصفر النيكوتين، وكانت الطائرة محمولة على الغيوم، والرحلة لا تنتهي. وحين وصلت الى القصيدة الأخيرة، حيث لا يبقى من الصورة التذكارية سوى الدخان الذي يحجب الوجوه، احسست بالدوار، وشعرت بأنني استطيع ان ادخّن الطائرة بأكملها، وبأن منع التدخين هو الاسم الآخر لقمع كل الرغبات.
نمت في الطائرة نوما متقطعا، ولم احلم بسوى السجائر، وحين وصلت الى نيويورك، وخرجت الى الشارع، وقفت على الرصيف، واشعلت سيجارتي الأولى، ولفّني الدوار.
قلت انني اخطأت، لأن قراءة كتاب شعري مخصص للسجائر في مكان يمنع التدخين، هو اشبه بالتعذيب، لكنني اكتشفت وانا ادخن سيجارتي الأولى، انني دخنت في الطائرة كثيرا، وكانت سجائري مصنوعة من كلمات.
 

***********************
المصدر: ملحق النهار الثقافي ـ 19.04.2009

 

 

 

 

هل ترغب في إرسال رأيك ؟ إضغط هنا

لا يوجد آراء مسجلة حتى الأن