بين مدينة وأخرى ومجتمع وآخر...
الثقافة
العربية في واقعها المأزوم بين الخيبة... والهيمنة
***************************************

حلمي سالم
نظرة عامة سريعة على العام الحزين المنصرم (2006) ستدلنا على أن
الثقافة العربية عانت، خلال ذلك العام الأليم (والأعوام التي
سبقته) من أربع «هيمنات» طاغية تسببت في وضعها الراهن المأزوم،
سأوجزها كما يلي:
1- هيمنة «السياسيّ» على ما عداه من مفردات الحياة العربية، فالوضع
المتفجر في العراق، والصراع الدائر في فلسطين، والاحتراب في
دارفور، ثم الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله، (وما تلاها من
احتقان وطني راهن بين التيارات اللبنانية المشتعلة)، كل ذلك أزاح
الهم الثقافي الى المؤخرة ليحل محله هم «مجرد أن تحيا».
هذه هي «الهدية» الأميركية للمنطقة العربية: حروب أهلية
معلنة (في العراق وفلسطين ولبنان) ومضمرة (في مصر والمغرب
والجزائر)، في مناخ مثل هذا المناخ، لا يمكن أن تزدهر ثقافة أو
تشرق إبداعات. صحيح إن العدوان الإسرائيلي على لبنان أنتج بعض
القصائد الجيدة (من بين ركام الشعر الذي اندلع مع اندلاع الحرب)
لكن عافية الثقافة الصحية لا تقاس ببضع قصائد جيدة.
2- هيمنة «المنظور الديني» في التعاطي مع أمور الحياة، بدءاً من
الزاوية التي تعامل بها الكثيرون مع الحرب الإسرائيلية -
اللبنانية، وانتهاء بمحاسبة وزير ثقافة مصر محاكمة دينية لأنه أبدى
رأياً، وبينهما مئات الوقائع - من اليمن إلى المغرب - التي تعلن
تآكل الدولة المدنية وبدء صعود الدولة الدينية في الأقطار العربية
كافة.
لقد شهد هذا العام الحزين أكثر من محاكمة أو مساءلة دينية
لمبدعين ومفكرين وفنانين، في غير بلد عربي، من المحيط الهادر إلى
الخليج الثائر، إذ يكون منظور التقييم للإبداع والفكر منظوراً
دينياً فلا تسل عن الثقافة ولا عن ازدهار العقل.
هل يمكن أن تتوقع نهوضاً ثقافياً أو فكرياً أو إبداعياً
في مجتمع تدخل فيه شابة منقبة إلى متحف أحد النحاتين وتدور تحطيماً
بالتماثيل فيه وهي تصرح «أصنام يا كفرة!»؟ أو في مجتمع يطلب فيه
ضابط شرطة فتوى من أحد الشيوخ حول شرعية تعذيب المواطنين في أقسام
البوليس، فيفتيه الشيخ بأن تعذيب المواطنين في أقسام الشرطة حلال؟
ما نوعية الثقافة التي سيتبناها بعد هذه الفتوى ذلك الضابط؟ وما
نوعية الثقافة التي سيتبناها هذا المواطن المعذب بعد تعذيبه؟
هل يمكن أن تتوقع نهوضاً ثقافياً في مجتمع يفتي فيه شيخ
بأن مناصرة حسن نصر الله في الحرب ضد إسرائيل حرام لأن حزب الله
شيعي و «من الرافضة»؟ أي احترام للآخر وللاختلاف يمكن أن يوجد في
مثل هذا المجتمع؟
3- هيمنة «الاحتراب الطائفي» والديني والعنصري، فقد بيّن عام 2006
- والعام الذي قبله، والعام الذي يليه - أن الأمة العربية الواحدة
ذات الرسالة الخالدة، غدت فرقاً وأشياعاً وتبددت بدداً، على نحو
يجسد أجلى مظهر للتشظي الذي يتكلمون عنه في تيارات ما بعد الحداثة.
سُنة يدخلون مسجداً للشيعة في العراق ويطلقون الرصاص على مئتين من
المصلين الشيعة، وشيعة يدبرون انفجارا يذهب بأرواح مئات السنيين،
وجماعات دينية كاملة لا محل لها من الإعراب القانوني في مجتمعات
عربية (كالبهائيين)، وجماعات بشرية كاملة يُكتب في تحقيق شخصيتها
عند خانة الجنسية: «بدون»، الأزهر في مصر يحذر من المد الشيعي (لا
من المد الإسرائيلي أو الأميركي). فتاوى تحرم بناء كنائس للمسيحيين
وتطالبهم بدفع الجزية.
أي ثقافة في عالم كهذا ستنشأ، سوى ثقافة نفي الآخر وقتل
المختلف، وثقافة الحق المطلق والحقيقة المطلقة، وقل سلاماً سلاماً
على ثقافة الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن والتنوع والتعدد
والتسامح وجدل الحضارات، وكل ما من شأنه أن ينهض بروح الأمة
ومسيرتها في التاريخ!.
4- هيمنة «الفقر المدقع» على معظم المجتمعات العربية، بدءاً من
البلاد التي يعيش فيها ثلاثة ملايين مواطن في المقابر، مروراً
بالمجتمعات التي تتعدى فيها الأمية نسبة 70 في المئة، ثم بالبلاد
التي يعيش ثلث سكانها تحت خط الفقر، وليس انتهاء بالجوع في جنوب
السودان والصومال وغيرهما، ثم ليس انتهاء بالمرأة التي ألقت بنفسها
وطفلتها في النهر لتتخلص من عجزها عن إطعامها، وبالأسرة التي باعت
رضيعها لمحام بمبلغ سبعة عشر ألف جنيه كي تستطيع تربية بقية
الأبناء الصغار، وبالأب الذي قطع لسان ابنه بعد أن أحرقه بالسجائر
في مواضع حساسة بجسمه لأنه يتبول لا إراديا، والأب لا يستطيع
علاجه.
أي ثقافة يمكن أن ينشدها ساكن المقابر؟ أو الجائع في
الصومال؟ أو الأب الذي باع ابنه؟ هل ثقافة الحب والخير والجمال؟ أم
ثقافة الكراهية والعنف والقتل؟ هل ثقافة جبران خليل جبران، أم
ثقافة سيد قطب والتكفير والهجرة؟ هل يقرأ آخر إصدارات محمود درويش
أم يقرأ عذاب القبر والوعود والأعتاب؟ هل يقرأ إدوارد سعيد وقصيدة
النثر أم يخرج إلى الطريق بخنجر ليطعن كل من يقابله؟
تسألني عن أزمة الثقافة العربية من عام 2006، بينما هذا
هو العام الذي يكتشفون فيه كل صباح مئة جثة في بغداد، بعد أن كانت
بغداد تنتج كل صباح مئة قصيدة؟ وهو العام الذي يدخل فيه كل أسبوع
مئة طفل مريض بالسرطان (معظمه سرطان الدم) إلى المستشفى الجامعي في
المنصورة في مصر، وهو العام الذي ينتشلون فيه كل شهر عشرين جثة من
شمال أفريقيا العربي غرقت في عرض المحيط وهي تحاول الهرب من بلادها
العربية إلى البلاد الأوروبية! وبالتأكيد لم يكن في يد واحد من
هؤلاء الغارقين كتاب للطاهر بن جلون ولا لمالك حداد ولا لمحمد
بنيس! وهذا هو العام الذي طلب فيه رئيس دولة عربية (العراق) من
الاستعمار ألا يرحل من بلده!. تسألني عن أزمة الثقافة العربية أية
«أزمة؟» وأية «ثقافة؟» وأية «عربية؟».
هذه هي الاستبدادات الأربعة التي عصفت بالثقافة العربية
في عام 2006 وهي ليست نتاج العام نفسه، بل هي تراكم سنوات خلت
وسنوات، وفي حضور مثل هذه الاستبدادات الأربعة (وثمة استبدادات
أخرى لم نتطرق إليها لضيق المساحة وضيق الصدر وضيق الأمل) تصبح
الأزمة الكبرى للثقافة العربية في عام 2006، وما قبله من سنوات وما
بعده من سنوات، هي تلك المسافة المفجعة بين سماء الثقافة العربية
وبين ارض الناس المضروبين بالفقر والمرض والجهل والنظم الحاكمة،
أقصد ذلك الشرخ الأخدودي الذي يفصم بين حركة الإبداع والفكر وبين
حركة البشر الساعين إلى اللقمة أو الموت.
وصحيح أن الثقافة العربية، كنتاج فكري وإبداعي، شهدت بعض
الإنجازات والإنتاجات الفردية المرموقة، وصحيح أن الذهنية العربية
شهدت تحولاً جذرياً في هذا العام، إذ صارت تستسيغ فكرة إمكانية
هزيمة إسرائيل (بسبب صمود المقاومة اللبنانية الأسطوري، بصرف النظر
عن الاحتقان السياسي الراهن) وصحيح أن مؤتمرات قيمة عقدت ومهرجانات
طيبة أقيمت وندوات جادة تمت، لكن هذه الاستبدادات الأربعة،
باستمرارها واستشرائها، تحيل كل بهجة خراباً: فتجعل الإنجازات
الفردية مجرد إلماعات جزئية هائمة، وتفرغ الوجدان المنتصر من
مضمونه العميق، وتجمد المهرجانات والمؤتمرات في حيز ضيق باعتبارها
«سامراً ينعقد وينفض».
هذه الاستبدادات الأربعة هي المرض الجوهري للثقافة
العربية المعاصرة، هذا العام وكل عام، إلى أن يقضي الله أمراً كان
مفعولاً. وليس من علاج جوهري لهذا المرض الجوهري سوى الحرية
الكاملة: حرية العقول والفعل والتنظيم والأحزاب والنقابات والفكر
وتداول السلطة والانتخابات والإعلام والتعليم، بجملة واحدة: سعي
حثيث من أجل أنظمة سياسية ديموقراطية عادلة، وسعي حثيث من أجل دولة
مدنية حقيقية تختفي فيها هيمنة المنظور السلفي للحياة والحاضر
والمستقبل. فهذا السعي، وحده، هو الذي سيردم الفجوة المرعبة بين
الثقافة العربية المعلقة في السماء، وبين المواطنين العرب
«المعذبين في الأرض».
ذلك أن أزمة الثقافة العربية هي صورة من صور أزمة
المجتمعات العربية.
__________________________________________
حلمي سالم- الحياة - 27/12/06